جمال الدين بن نباتة المصري
144
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
فلم يزل على القضاء مدّة ، ثم هرب . ولما ولى القضاء دخل عليه الحسن البصرىّ فبكى إياس ، وقال : يا أبا سعيد ، بلغني أن القضاء ثلاثة : رجل مال به الهوى فهو في النّار ، ورجل اجتهد فأخطأ فهو في النار ، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة : فقال الحسن : إن فيما قضى « 1 » اللّه تعالى في النبىّ داود ما يردّ قول هؤلاء ، ثم قرأ : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً « 2 » ، فحمد سليمان ولم يذمّ داود « 3 » . وحكى المدائنىّ ، قال : أودع رجل آخر كيسا فيه دنانير ، وغاب مدّة طويلة ، فلمّا طال الأمر ، فتق الرجل الكيس وأخذ الدنانير ، ووضع عوضها دراهم ، والخيط والخاتم على حاله ؛ ثم قدم صاحب المال فطلب ماله ، فدفع له الكيس بخاتمه « 4 » ، فلم يقبله ، وقال : هذه دراهم ومالي دنانير . فقال : هذا كيسك وخاتمك ، فرفعه لابن هبيرة ، فقال لإياس : انظر بينهما ؛ فقال إياس : منذ كم أودعك ؟ قال : منذ عشرة أعوام ، فقال : فضّوا الخاتم ، ففضّوه ، ونثروا الدّراهم ، فوجدوا فيها ضرب خمس سنين ، وستّ سنين ، وأقلّ وأكثر ، فقال إياس ، قد أقررت أنه عندك منذ عشر سنين ، وفي الكيس ضرب خمس سنين ! فأقرّ بالدنانير وألزم بها « 5 » . ونظر إياس يوما إلى رجل لم يره قطّ ، فقال : هذا غريب واسطىّ معلم كتّاب « 6 » ، هرب له غلام ، فوجدوا الأمر كذلك ، فسئل عن ذلك ، فقال :
--> ( 1 ) أخبار القضاة : « إن في ما قضى اللّه » . ( 2 ) سورة الأنبياء 79 . ( 3 ) الخبر في أخبار القضاة لوكيع 1 : 312 ، 313 ، والشريشى 1 : 113 ، وابن خلكان 1 : 382 . ( 4 ) ت : « بختمه » . ( 5 ) د : « وألزمه بها » ، ط : « وألزمه إياها » . ( 6 ) ط : « صبيان » .